الشيخ محمد رشيد رضا

277

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حيث إنهم رسله لا لذاتهم ، ومثال ذلك الحاكم تجب طاعته في تنفيذ شريعة المملكة وقوانينها وهو ما يعبرون عنه بالأوامر الرسمية ولا تجب فيما عدا ذلك قال الرازي : قال مقاتل في هذه الآية ان النبي ( ص ) كان يقول من أحبني فقد أحب اللّه ومن أطاعني فقد أطاع اللّه ، فقال المنافقون قد قارب هذا الرجل الشرك وهو أن نهى أن نعبد غير اللّه ويريد ان نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى . فأنزل اللّه هذه الآية . واعلم أنا بينا كيفية دلالة هذه الآية على أنه لا طاعة البتة للرسول وإنما الطاعة للّه اه ووجه قول مقاتل هو أن المؤمن الموحد لا يكون مستعبدا خاضعا الا لخالقه وحده دون جميع خلقه ، فالخروج عن ذلك شرك والشرك نوعان أحدهما أن ترى لبعض المخلوقات سلطة غيبية وراء الأسباب العادية العامة فترجو نفعه وتخاف ضره وتدعوه وتذل له سواء شعرت في توجه قلبك اليه بأنه ينفعك بذاته أو بتأثيره في إرادة اللّه تعالى بحيث يفعل لأجله ، ما لم يكن يفعله لولاه بمحض فضله ورحمته ، وهذا هو الشرك في الألوهية ، وثانيهما ان ترى لبعض المخلوقين حق التشريع والتحليل والتحريم لذاته ، وهذا هو الشرك في الربوبية ، ولذلك قال المنافقون : يريد ان نتخذه ربا . وقد فسر النبي ( ص ) اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا بطاعتهم فيما يحللون ويحرمون ، وقد رد اللّه تعالى شبهة المنافقين وأغلوطتهم وبين ان الرسول انما يطاع فيما هو مرسل فيه ومأمور بتبليغه عن ربه ويؤخذ من هذا ان المؤمن الموحد يكون أعز الناس نفسا ، وأعظمهم كرامة ، وانه لا يقبل ان يستبد فيه حاكم ، ولا ان يستبعده سلطان ظالم ، وما قوي الاستبداد في المسلمين الا بضعف التوحيد فيهم ، فالتوحيد هو منتهى ما تصل اليه النفوس البشرية من الارتقاء والكمال ، فصاحب التوحيد الخالص يعلم علم اليقين أن كل شيء في هذه الأرض وفي تلك السماوات العلى هو خاضع ومقهور للنواميس والسنن العامة التي قام بها النظام العام وأن تفاوتها في الصفات والخواص لا يقتضي ان يرفع الأقوى في صفة ما على الأضعف رفع الإله على المألوه والرب على المربوب ، فحجر الصوان الصلب القوي ليس إلها ولا ربا لحجر الكذان الضعيف ، ولا حجر